سَكَنَ القَمَرْ

سَكَنَ القَمَرْ
هَمَسَ الشجرْ
يَسري الحبيبُ المُنتظرْ
تأتي بِلحنِ جمالها
الآن قد بدأَ السمَرْ

تِلك الحبيبةُ قد دَنَتْ
مِنّي بِقُربي فاستوتْ
صَمَتَ الوجودُ ترقّباً
حتى ابتسامتها بَدَتْ

عَبَقٌ صَدَرْ
فَرَحٌ بَدَرْ
غنّى النسيمُ على الزَّهَرْ
دِفْئٌ يُحيطُ كيانها
والنورَ يعْشَقُهُ البَصَرْ

بَدَأَ الكلامُ وكيفما
صِيغَ الكلامُ مُنَغّما
مِثْلَ الخَريرِ عُذوبةً
فاقَ الكريمُ تَكَرُّما

غَيمٌ عَبَرْ
نَجْمٌ ظَهَرْ
تَغْريدُ طيرٍ مُبْتَكَرْ
فالكونُ يَرقصُ حولنا
والحبُّ مسرورٌ بَشِرْ

الشرقُ شَعَّ تورُّدا
والليلُ راحَ تبدُّدا
آنَ الأوانُ لِنَفْتَرقْ
ليتَ اللقاءَ تجدَّدا

The Good User


A thought experiment:

Two houses sit side by side on a suburban street. They are around the same size and include the same number of rooms that host the same functions. But, they are designed very differently. If a family, having first lived in one of the houses and then in the second, concluded that the design of the second house, unlike the first, made their lives more efficient, helped strengthen their familial bonds, and simply made them happy, which house is better designed?

Assuming we can agree that, at least for this particular family, the design of the second house is clearly superior to the first, let us continue:

Imagine another family, of the same size as the first, and generally having similar spatial needs, also living in both houses for a short period. The difference is that this family fell in love with both houses, claiming that although they are different, the designs of both houses provided them with cherished moments of closeness and everlasting memories of love. Both houses, they passionately insisted, made them happy. If that was the case, which family is the better user of architecture?

I expect this question might not make sense at first, so let me clarify. First, the ‘families’ here represent all users of architecture, especially architects. Second, the word ‘better’ does not refer to a superiority in worth, morality, or intellect, but is based on the belief (my own) that using architecture is a skill (just like designing architecture or playing the piano), and that some are better at it than others. Third, ‘using architecture’ is understood here in a broad sense that includes physically interacting with buildings, but also the consumption of architectural media including its discourse, imagery, and more.

Back to the thought experiment: I suggest that the second family is the better user of architecture because they were able to extract more value and personal happiness from the houses than the first family. Just like a building that is able to successfully serve more users (not in terms of capacity or size, but in its inclusivity of a wider spectrum of people and their varying needs) is a better building, a user that is able to understand, appreciate, and exploit more architecture is a better user.

This is not a call to shift the responsibility from designers to users, to abandon criticism, or to tolerate mediocrity in design. Rather, it is a reminder to be generous, thoughtful, and even kind in our ‘using’ of architecture. Architecture culture can often be negative. Whether in school or in the profession, it is a common occurrence to witness architects who revel in tearing down others’ work, so transparently building their own self-esteem using the debris they created. This unhealthy inclination to race one another in pointing out what is lacking is anything but a sign of sophistication. To articulate what is valuable in a design often requires more creativity and perception than to identify the faults. The good architect does not only designs good architecture, but is a good user of architecture as well.

Apples and Oranges


Only apples can be paired
Not random pairs of fruit
For if to mix and match you dared
You show yourself a brute

What silly sight would be to sit
An apple side by side
An orange and compare the two
Ignoring their divide

An apple is a thing of red
Or yellow still or green
An orange as its name is read
Is not but orange seen

So spoke the man bespectacled
And mesmerized the crowd
His reason seemed perfectacled
As he before us bowed

But still the talk was yet to end
One bold among us stood
And said aloud we must upend
This nonsense if we could

Beware a man who sees the world
As but a band of hues
And thinks a crime it is to wear
Mismatching pairs of shoes

A thing is not itself because
It fits in with its peers
But only when to them its pose
Differently appears

صناعة النفس

عَرَفَ طريقه إلى البرج دون الحاجة للعنوان. كلُّ ما كان على الأستاذ أن يفعله هو توجيه بصره إلى ما فوق أبنية مدينة الإبتكار المنخفضة ليرى برجاً واحد يرتفع فوق ما حوله. أصبح لَمَعان واجهات البرج المتموّجة بوصلته والهدف. ركن سيارته عند أقدام أعمدة البرج الفولاذية التي غُرست أساستها عميقاً في الأرض وثقبت رؤوسها السماء. نزل من السيارة و نظر إلى البرج بتمعن: لاحظ أن زجاج البرج ذو طبيعة متقلبة: فهو يظهر شفافاً من بعض الزوايا ليصبح كل ما يدور في طوابق البرج الأربعين مكشوفاً للشارع ولكن يمكن لأي تغيير لزاوية الرؤية أن يقلب شفافيته إلى أسطح فضية عاكسة تمنع الرؤية تماماً. رغم ذلك فإن واجهات البرج المطوية تكون خليط من الشفافية والإنعكاس (الظهور و الإختباء) من أغلب الزوايا.

دخل الأستاذ من البوابة الرئيسية ووقف وسط ردهة الإستقبال. كانت الصالة مرتفعة السقف وبسيطة التصميم. من جنبيه مقاعد موزعة لتكوين جلسات مستديرة لها طابع عصري ويغلب على صنعتها المعادن و الجلود. لكن ما جذب انتباهه كانت اللوحتان المعلقتان على الحائطين الرماديين خلف الجلسات. كلتا اللوحتين كانت انفجار من الألوان الفاقعة بعضها ينتشر بعنفوان وبعضها يتقلص ليصبح خطوط رفيعة. كانت الألوان تسبح دون أن تتحرك فشكّ الأستاذ بكونها ثلاثية الأبعاد رغم استقامة سطحي اللوحتين. عندما دقق النظر اكتشف أن أحد اللوحتين تمثل شبكة معقدة من الخلايا العصبية للدماغ. أما اللوحة الأخرى فكانت لشريحة إلكترونية تتشابك فيها المسارات الكهربائية. قبل أن يتمكن من التدقيق أكثر لكشف أسرار اللوحتين سمع صوت جهوري يملأه المرح:

- أهلاً بك يا أستاذ!

تقدم نحوه رجل في أول الخمسينيات من عمره قصير القامة وممتلئ الجسد. عرف الأستاذ أنه بو سالم الرجل الذي جاء ليقابله. أكمل بو سالم كلامه بعد أن صافح الأستاذ بحرارة وربت على كتفه بِوِد كأنه يستقبل صديق قديم:

- كما تعرف يا أستاذ أنا المسؤول على تشغيل هذا البرج وبالخصوص إدارة الأعمال اليومية لفريق الروبوتات الذي يعمل هنا. لدينا حالياً أكثر من عشرة روبوتات تقوم بأعمال متنوعة منها استقبال السكان والزوار والتنظيف والطبخ وإصلاح الأعطال الميكانيكية وغير ذلك. أنا متأكد من أن أستاذ متميز في مجال الروبوت مثل حضرتك سينبهر بالتقدم التكنولوجي الذي حققناه في هذا البرج. كما أنني سعيد لأني سأتعاون معك كمستشار من خلال عملك في الجامعة. كما تعرف هذا البرج تملكه الجامعة وتشغله كسكن لأساتذتها ومختبر لتجربة أحدث التقنيات الروبوتية التي تطورها.

لم يستطع الأستاذ أن ينطق بأكثر من "شكراً لك يا بو سالم..." حتى استمر بو سالم حديثه المندفع:

- هيا تعال إلى طاولة الإستقبال لترى بعينك ما أتحدث عنه.

بعد أول خطوتين مشياهما نحو طاولة الإستقبال تدارك بو سالم تسرعه فقال ووجهه (المنحصر بين حاجبين عريضين و لحية كثيفة) يُظهر جرعة مبالغة من الندم:

- يا لقلّة أدبي! نسيت أن أسألك عن أحوالك! كيف كانت رحلتك إلى هنا؟

- لا داعي للإعتذار! في الحقيقة كانت الرحلة طويلة ومتعبة. لا أخفي عليك أنني الآن أعاني من صداع خفيف وأفكاري ملخبطة نوعاً ما خاصة و أنه يبدو أن كل شيء في هذا البرج يستحق الدراسة و التدقيق. بينما أشعر كأنني استيقظت للتو من نوم عميق!

تطلع إليه بو سالم بتعاطف وقال:

- سمعت هذه الكلمات ينطقها كثير ممن جاءوا إلى هذا البرج بعد سفر طويل. ولكني أبشّرك بأن حالتهم انقلبت إلى الأفضل بعد أن استقروا هنا ليوم أو يومين.

قال تلك الجملة الأخيرة و قد عادت ملامحه من الجدية إلى المرح. ثم أشار بيده إلى الشابين الوسيمين الجالسين وراء طاولة الإستقبال وكانا قد وصلا إليها. نظر إليهما الأستاذ فأحس بشعور غريب عندما أدارا وجهاهما ببطء حتى صارا ينظران في عينه مباشرة. صرّح بو سالم بفخر:

- هذا سالم ب و هذه عبير أ. هما روبوتان قد تم تطويرهما في الجامعة قبل عدة سنوات وما زالا يخدمان السكان والزوار على أكمل وجه ودون أي خلل. لقد صُمّما لهذه المهمة خصيصاً فكما تلاحظ ليس لهما أرجل بل إنهما مثبتان على المقاعد.

كان الأستاذ ينظر إليهم بتعجب وهو يسمع شرح بو سالم. ما زاد من ارتباكه هو أن الروبوتان لم يرمشا أو يتوقفا عن التحديق في عينيه طوال تلك الفترة. قال الأستاذ بعد أن جمع أفكاره:

- لم أكن أعلم أن مختبر الروبوتات في الجامعة قد وصل إلى هذه الدرجة من التطور! يبدوا أن عليّ تعلم الكثير قبل أن أستطيع التدريس هناك. هل يتكلمان؟

- بالطبع! ولكن يجب عليك أن توجه الكلام إليهما مباشرة. مثلاً: سالم ب و عبير أ هل بإمكانكما إخباري رقم الطابق والشقة التي حُجزت للأستاذ؟

التفت وجها الروبوتان ببطء نحو بو سالم حتى صارا يحدقان في عينيه ثم تحركت شفاهمما بحركات وسرعة متطابقة وصدر صوتهما يقول:

- شقة الأستاذ في الطابق السابع والثلاثين ورقم الشقة اثنا عشر.

- شكراً جزيلاً.

تبدّلت ملامح الأستاذ من التعجّب إلى الإنعجاب. لاحظ ذلك بو سالم فقرر أن ينتهز الفرصة:

- إذا كانا هذان الروبوتان قد أعجباك فإنك ستسعد أكثر لما سأريك إياه لاحقاً. فهذان الروبوتان ما هما إلا جزء بسيط من النظام الأوتوماتيكي المشغّل لهذا البرج. كل أجزاء البرج والروبوتات العاملة فيه تدار من قبل حواسيب ذكية بشكل موحد حتى أن البرج وكل من فيه يمكن اعتباره كيان واحد.

ثم أشار بيده حول ردهة الإستقبال مركزاً على نقطٍ حمر وجدت في أغلب الزوايا وعلى الأعمدة الرخامية السوداء وعلى تضاريس السقف المتعرجة. قال وهو يبتسم:

- أترا كل تلك العدسات؟ إنها تراقب كل ما يحصل في هذا البرج وتروي بتلك المعلومات الحواسيب الذكية التي بدورها تقوم بإدارة البرج بفاعلية شبه كاملة. تعال لنذهب إلى المصاعد لأريك شقتك.

مشى بو سالم وسار وراءه الأستاذ وهو يتلفّت ليعد العدسات المُراقِبة فلم يستطع أن يحصيها كلها ولكنه أدرك أنها في كل لحظة تصوره من جميع الاتجاهات. أخذ يسرع من خطواته ليلحق ببو سالم.

- وماذا عن الخصوصية يا بو سالم؟ كيف للمرء أن يشعر بالراحة في شقته إذا عرف أنه مراقب؟

- لا تقلق يا أستاذ. نحن حريصون على الخصوصية ولذلك فإن كل المعلومات والصور التي يتم جمعها تظل مشفّرة وليس لأحد سوى الحواسيب الإطلاع عليها وذلك لا يكون إلا لخدمة السكان. تذكر أن للروبوتات أشكال إنسانية و لكنها في النهاية برمجات رقمية لا تعرف العاطفة أو الخجل أو حتى معنى الخصوصية. كل ما تفعله هو لخدمة البشر لأنها بُرمجت لذلك الغرض.

كانا قد وصلا إلى زاوية المصاعد. استدار بو سالم وابتسم للأستاذ وعيناه تبرقان بمكر ثم قال:

- إلا إذا كنت تعتقد أن للروبوتات عواطف وأفكار مثل الإنسان وأنها تستحق أن نخجل من مراقبتها لنا؟

- لا أنا لا أعتقد ذلك. ولكنني ما زلت غير مرتاح من كوني تحت المراقبة.

- ستتعوَّد!

قال بو سالم تلك الكلمة الصادمة وضحك بصوت عالي ويديه الكبيرتين تمسكان بكرشه المهتز. ثم توجه إلى لوحة المصاعد التي لم يكن عليها غير واحدة من تلك العدسات المحاطة بعدد من النقط الضوئية الحمراء. ما أن وقف أمام العدسة حتى تحركت على الشريط العامودي التي كانت مثبتة عليه لتكون أمام عينيه مباشرة. بعد لحظة تحولت الإضاءة الحماء إلى خضراء وفتح باب أحد المصاعد وسُمع صوت يقول:

- إلى الطابق السابع والثلاثين.

دخلا المصعد وأغلق الباب بصوت خافت يشبه الهمس. سأل الأستاذ:

- كيف عرف المصعد إلى أي طابق كنا نريد الصعود إليه؟

ابتسم بو سالم بدراية فعرف الأستاذ أنه تعمَّد عدم شرح المسألة من قَبل حتى يتلذذ بالجواب على السؤال الذي تأكد أنه سيأتي لا محالة.

- إن هذه العدسات بإمكانها إذا ما وقفنا بقربها و نظرنا إليها أن تقرأ أفكارنا البسيطة. كل ما كان علي فعله هو التحديق بالعدسة والتفكير بالرقم سبعة وثلاثين.

- عجيب!

أخذ المصعد بالإرتقاء بكل سلاسة وكأنه يطفو على غيمة. كانت أرضية المصعد وسقفه عبارة عن ألواح معدنية فضية لامعة. أما الحوائط فقد استحوذت على انتباه الأستاذ بمادتها المتقلبة. فكانت تسبح على سطح الحوائط بقع هلامية تتحول من مرآة مغبشة إلى زجاج شفاف. لعدة لحظات يرى الأستاذ وجهه المشوَّش منعكس على المرآة فيحاول التدقيق فيه كأنه يكتشف ملامحه للمرة الأولى ولكن تحوّل المرآة إلى زجاج شفاف يمنعه من ذلك. حينها يرى ما وراء زجاج المصعد من فضاء شاسع يحتوي على "عقل" البرج (كما عبر عنه بو سالم لاحقاً) وهو عبارة عن حواسيب عملاقة ترقص عليها الأضواء وأسلاك شائكة وأنابيب ضخمة متداخلة بتعقيد.

راقب بو سالم استغراب الأستاذ فظن أنه انبهر بما رأى وراء زجاج المصعد من تطور تكنولوجي واضح. ولكن في الحقيقة كان استغراب الأستاذ راجع إلى تلك اللحظات الخاطفة التي لمح فيها انعكاسه فلم يعرف فيها نفسه!

فُتح باب المصعد وخرجا إلى ممر ملتوي ذو إضاءة خافتة. كانت أرضية الممر و سقفه مغطان بسجاد رمادي متين امتص خطواتهم دون الإفلات بأي صوت. أما الحوائط فقد لُصِق عليها ورق أسود رُسمت عليه أشكال هندسية عبر نتوءات دقيقة لا تلاحَظ إلا عند اللمس أو عندما ينعكس عليها النور بزاوية معينة. أبواب الشقق كانت رمادية وفي وسط كلٌ منها عدسة بنقاطها الحمر.

لم يعكر الهدوء السائد سوى صوت مكنسة كهربائية سمعاها ولم يريا مصدرها نتيجة التواء الممر. بعد عدد من خطوات حينما وصلا منتصف الممر رأيا عاملة نظافة تقوم بكنس الممر بسرعة مذهلة كأنها ترقص بحماسة و دقة. قال بو سالم عندما وقفا خلفها:

- أهلاً بكِ يا عبير ن.

توقفت عبير ن عن العمل والتفتت متوجهة لبو سالم. لاحظ الأستاذ أن ملامح وجهها متطابقة مع عبير أ التي التقياها عند طاولة الإستقبال. الفرق كان في تسريحة الشعر وكون عبير ن تمتلك رجلان تقف عليهما.

- أهلاً بكَ يا بو سالم.

قالت ذلك عبير ن و توقفت في مكانها كالدمية محدقة في عيني بو سالم دون أن تصدر منها أية حركة إضافية أو نَفَس وكأن الزمن توقف عندها بينما استمر بالنبض لغيرها. سأل الأستاذ:

- أجميع الروبوتات لهم وجوه و أجسام متشابهة؟

- نعم. وذلك القرار أتّخذ من الجامعة لتسهيل تعرف الناس على الروبوتات. لدينا شكلان للوجوه: سالم الذي يشبه الذكور وعبير التي تشبه الإناث. رغم أن ذلك إختلاف سطحي فالأجهزة المحركة والتقنيات المطورة للتحكم بالروبوتات لا تختلف بينهما. حتى الصوت كما يجب أنك لاحظت لا يختلف بين السوالم و العبائر.

- كم باهتة ومُحْبِطة ستكون الحياة لو أننا كنا متشابهين في الشكل والمضمون!

قال الأستاذ ذلك وهو ينظر إلى عبير ن بشفقة. ارتبك بو سالم لهذا التحول في المزاج من المباهات بالتطور التكنولوجي إلى التفكّر الفلسفي ولكنه تماسك نفسه وحاول أن يعيد المزاج كما كان فقال مبتسماً:

- إذن فمن المناسب أن تكون الروبوتات لا تشعر بالإحباط! أليس كذلك يا أستاذ؟ دعك من هذه الأفكار الكئيبة وتعال لأريك شقتك الجديدة.

مشيا بضع خطوات حتى وصلا إلى بابٍ كُتب عليه الرقم إثنا عشر. لوّح بو سالم فعرف الأستاذ أن عليه أن يقف أمام الباب و ينظر في العدسة. صعدت العدسة تسلقاً على شريطها العامودي حتى صارت أمام عينيه. بعد لحظة تحولت النقط الحمر حول العدسة إلى اللون الأزرق و فتح الباب. فجأة هجمت عليه وعلى الممر من خلفه أشعة الشمس المتوهجة فشتتت ظلمة الممر وأغرمته على حماية عينيه بيده اليمنى. دخل الشقة وعبر الممر حتى وصل إلى الصالة. استغرقت عينيه عدة لحظات للتأقلم على النور الساطع من نوافذ الصالة الكبيرة. عندها استطاع الأستاذ أن يتأمل الشقة ويكتشفها بعينيه الفضوليتين.

جميع ما في الشقة من أسطح و قطع أثاث كان باللون أبيض. ذلك البياض الكامل تشرّب نور الشمس بِنَهَم وأعاد بثّه في الهواء المشتعل. كلما أطال الأستاذ النظر كلما شعر أن الهواء من حوله سيذوب وأن الأثاث سيتفتت إلى غبار من ضوء. كان يعيش إحساس الحُلُم.

شعر أن عينيه ترى كل شيء بوضوح لم يعرفه من قبل: أقمشة المقاعد وعروق الرخام وملاسة الحديد وألياف الخشب. حتى الأصوات كانت ترن في أذنية بدقة. كل خطوة مشاها باتجاه النافذة كان يسمع تفاصيلها وكأن صداها متجسد أمام عينيه بكل تعرجات موجاته. وقف عند النافذة التي غطّت مع أخواتها أحد الحوائط بالكامل فرأى مدينة الإبتكار ممتدة من تحته وبعدها حرم الجامعة.

تركه بو سالم لبعض الوقت كي تأخذ عيناه الوقت الكافي لاستيعاب المكان والمنظر. ثم سأل أخيراً:

- ما رأيك في الشقة يا أستاذ؟

فكر الأستاذ ثم تنطّق كلماته بتردد دون أن يلتفت.

- إنها جميلة. أجمل مما توقعت. ولكنني أشعر بشيء غريب كأن أفكاري تلخبطت وتغير تربيبها. كأنني أتذكر المستقبل وأنتظر الماضي. لا أعرف كيف أشرح لك ولكن صداعي الذي كنت أعانيه من مشقة السفر قد تحول من مجرد ألم إلى حركات تلعب في أفكاري.

صمت قليلاً ثم التفت ليتفحص الشقة حتى أوقف عينيه لتلاقيا عيني بو سالم المنتبه. ثم أكمل كلامه:

- لدي سؤال غريب. أشعر أنني عشت في هذه الشقة من قبل. أشعر أنني لو ذهبت إلى محلات الأثاث لن أشتري غير هذه القطع ولن أختار غير اللون الأبيض. هل وضعتم هذا الأثاث هنا من أجلي خصّيصاً أم أنه متكرر في جميع الشقق؟

رفع بو سالم حاجبيه بإعجاب كأن دقة وصف الأستاذ قد فاجأته.

- شعورك صادق يا أستاذ ولكن الموضوع يحتاج شرح. فنحن وضعنا الأثاث هنا لأنك أنت الذي اخترته قبل أن تأتي إلينا وإنْ لم تتذكر ذلك. في الوقت نفسه هذا الأثاث متكرر في عدد من الشقق الأخرى.

- لم أفهم.

- تعال وانظر من هنا وستفهم.

قال ذلك بو سالم و أشار إلى المرآة التي تحتل جزء من الحائط عند مدخل الشقة. لم يكن الأستاذ قد لحظ المرآة عند دخوله لدهشته بسطوع النور الذي أعماه عن كل شيء سواه. تقدم الأستاذ نحو المرآة بخطوات بطيئة. نظر فيها فلم يجد نفسه. وجد سالمٌ واقف في مكانه ويرتدي ملابسه. حرك يديه ليجد نفسه. لم تتحرك سوى يديّ السالم. كان ذاك هو، أما هو هو فلم يكن موجود.

اشتد الصداع بين أذنيه كأنما أجراس نحاسية تقرع حوائط جمجمته. أمسك نفسه. حاول أن يعيد توازنه. لم يفهم شيء. كيف هو سالم بشكله ووجهه وطوله؟ أخذ يبحلق عينيه بتركيز مؤلم في صورته التي ليست هو.

حاول أن يتذكر من هو ومن أين أتى قبل أن يصل إلى البرج. حاول أن يتذكر طفولته. حاول أن يتذكر أشخاص أو مشاعر أو أحداث عرفها قبل مدينة الإبتكار والبرج. في كل تلك المحاولات فشل.

أخيراً ظهر بو سالم من خلف انعكاسه في المرآة و قال بنبرة حنونة كأنه أباً يستقبل ابنه بعد سفر طويل:

- أهلاً بك يا أستاذ سالم ع في بيتك. لقد انتظرت هذه اللحظة طويلاً و سأشرح لك كل شيء الآن...

قصة البيت عديم الممرات


قالوا له، ذلك الذي يبني بيته: تأكد من استغلال كل مترٍ من أرضك فكلما أوسعت من الغرف وأقصرت من الممرات كنت أنت الرابح. إعلم أن خريطة البيت حربٌ بين المساحات النافعة والمساحات المهدورة، وتكثر في هذه الحرب الخدع، فكم من تغيير في الخريطة ظاهره انتصار للفاعلية وحقيقته إضاعة للمساحة وخسارة للمال والمنفعة. عدوك الأشرس في حرب الإستغلال هذه هي الممرات، هي تظهر وجه الخدمة فتقول: أنا أربط بين أعضاء البيت وأجعل تنقلك بين غرفة وأخرى سهلاً ومريحاً، و لكن في الحقيقة الممرات أشبه بالأفاعي السامة، هي تلتوي على الخريطة و تأكل من مساحات كل غرفة تجاورها، هي أيضاً تبعد بين أطراف البيت فتسم الحياة العائلية وتقتل حميميَّتها. يا من يبني بيته إلغي كل ممر من خريطتك لتسعد.

راح ذلك المسكين بما تعبّأ من عداوة للممرات إلى مصمم البيت، فرمى الخرائط على الطاولة وعليها آثار شخبطات جنونية وقال: أريدك أن تقتلع كل ممر من هذه الخرائط فكما علمت للتو أن الممرات تشبه النباتات الشريرة، إذا لم تُقتلع فإنَّ جذورها تنتشر إلى كل زوايا البيت فتمتص المساحات و تفسد الفضاءات. فعل المصمم كما أُمر فصارت غرف البيت على الخريطة مربعات متلاصقة دون مساحات فاصلة مثل العتبات أو الردهات أو الممرات.

بعد انتهاء البناء صار من يدخل البيت يجد أن بابه الرئيسي يؤدي إلى وسط صالة الإستقبال مباشرة، والصالة متصلة بغرفة الطعام دون حاجز، ومن هناك بابٌ في وسطِ الحائط يفتح إلى المطبخ الرئيسي. الوضع مشابه في الطابق الأول حيث أن صالة المعيشة تحيطها عدة أبواب يؤدي كلٌ منها إلى غرفة نوم. خلا البيت من أي ممر و كان المسكين وعائلته المسكينة فخورين بذلك، فعندما دخلوا البيت أول مرة وقفوا وسط صالة المعيشة يوجهون ابتساماتهم في جميع الإتجاهات ويمتدحون ذكاء بعضهم البعض.

لم تطل مدة معيشتهم في البيت حتى بدأت المشاكل في الظهور. فكلما استضافت المسكينة صديقاتها في صالة الإستقبال ارتبكت حركة العائلة، فدخول المسكين والأولاد إلى البيت أو خروجهم منه إضطرَّهم إلى المرور عبر الصالة، مسبباً حرجاً لهم و إزعاجاً للضيوف. أما في الطابق الأول فقد اكتشفوا سريعاً أن أبواب غرف النوم المؤدية مباشرة إلى صالة المعيشة جعلت من انتقال الصوت أمراً لا يُحتمل حتى وإن كانت الأبواب مغلقة، فمن كان يقرأ في غرفة نومه يسمع مجريات الفلم المعروض على تلفزيون الصالة كأنه فيها، ومن كان في الصالة تصله أصواتٌ من كل الغرف، فمن هنا مشاجرة عبر اتصال هاتفي ومن هناك موسيقى شبابية صاخبة. صاروا يشعرون أنهم أقرب إلى بعضهم البعض مما ينبغي فما يفعله أحدهم يزعج الآخرين و من يتحرك في البيت يعرض خصوصية غيره للانتهاك.

حينئذٍ عرفوا أن جودة الخريطة المعمارية ليست قائمة على توسعة غرفها الرئيسية ولا على التخلص من الممرات، بل في مدى خدمة التصميم لحياة عائلية مريحة و صحية، وأن ذلك يتطلب وعي بمهمة كل عنصر معماري. فالممرات من الممكن استخدامها لترتيب الغرف بالشكل المثالي ووضع كلٌ منها على المسافة المناسبة من الغرف الأخرى، كذلك من خصائصها إيجاد مسارات ثانوية لتحرك سكان البيت حتى يحتفظ كلٌ منهم بخصوصيته. الأهم هو تعلم المساكين أن لكل قرار معماري نتائج كثيرة، بعضها واضح وأكثرها لا يكشفها إلا الزمن.

قصة الأسقف المرتفعة


قالوا له، ذلك الذي يبني بيته: إرفع أسقف بيتك قدر ما استطعت ففي ارتفاع السقف جمال للدار لا يعوضه عرضٌ و لا طول، كما أن في فضاء الارتفاع حرية للبدن ونزهة للعين ومسبح للروح، ألم تعلم أن صحة البيت مبنية على اثنين: نور الشمس و برودة الهواء، ولا من صفة للبيت تستقبل النور وتنعش الهواء كما يفعل ارتفاع الأسقف، يا من يبني بيته ارفع أسقفك لتسعد.

راح ذلك المسكين و خياله يرقص على نغمات ما سمع، وقال للبنّاء: إرفع أسقف بيتي قدر ما استطعت فكما عرفت للتو أن في ارتفاع الأسقف بركة للمسكن وخير للساكن. إستجاب البناء لما أُمر وصار يرفع من الأسقف أقصى ما تتحمل الأعمدة، حتى عندما اكتمل البناء كان البيت هو الأعلى في الحي.

في يوم الانتقال إلى البيت الجديد تجمَّع أهل الحي عند الباب ليباركوا للمسكين وعائلته المسكينة اكتمال هذا البيت الشاهق وليمدحوا ذكائه في التصميم. ابتهج المسكين بانعجاب الناس فبرزت ابتسامته طوال عملية نقل الأثاث من الشاحنة إلى باب البيت. ثم عرض الناس عليه أن يساعدوه في حمل الأثاث إلى طوابق البيت الثلاثة طمعاً منهم بالتمتع بمنظر الأسقف المرتفعة.

هنا بدأت حقيقة الأسقف بالانكشاف: لم يطل الوقت حتى تعب الناس من حمل الأثاث صعوداً على عتبات الدرج العديدة: الأسقف المرتفعة تؤدي إلى أدراج عميقة كأنها جبال عاتية عند الصعود ووديان سحيقة عند النزول. أُرهق الناس من تسلقهم المستمر وعلى ظهورهم ثقل الأثاث فكانت أعينهم تسابق أقدامهم في عد العتبات اللانهائية، حتى أنهم نسوا أن يرفعوا نظراتهم للأسقف المرتفعة.

بعد بضعة أشهر من الاستقرار في البيت الجديد ظهرت مشاكل أخرى سببها ارتفاع الأسقف، فكلما انطفأت لمبة أو سالت قطرات ماء من فتحات التكييف اطُّر المسكين لجلب أطول سلم وجده في السوق، فأصبحت عملية تغيير لمبة رحلة مرعبة و خطرة: يصعد السلم مرتجفاً و جميع أفراد عائلته المسكينة يتشبثون بأرجل السلم لمنعه من التأرجح والسقوط. عند وصوله إلى الأعلى يضطر إلى رفع كلتا يديه للفك و التركيب فيشعر أنه سيهوي إلى نهايته في أي لحظة، يحاول جهده منع عينيه من اكتشاف بعده عن الأرض و يلهي نفسه بهمسِ ما يتذكر من الآيات والأدعية.

في أول ليالي شهر رمضان لذلك العام فكر المسكين أن يصعد إلى السطح ليرى ما إذا كان ارتفاع البيت سيمكنه من رؤية الهلال. لهذه المهمة قرر أن يدعوا بعض جيرانه ذوي الخبرة، فكانوا خمسة عنما صعدوا السطح ساعةً قبل الغروب. سرعان ما وصلوا انبهروا جميعهم بجمال منظر الشمس المحترقة على نار الأفق و السماء المشتعلة حُمْرة و صُفْرة. بعد لحظة من التأمل الهادئ لاحظوا أنهم لم يكونوا وحدهم المنعجبون بذلك المنظر الخلاب، فالطيور كانت على امتداد الدرابزين وأنابيب المياه وآلات التكييف، بل و كان السطح مليء بالريش المبعثر والأعشاش المهجورة والبيض المكسور وأشياء أخرى! وقتها عرف المسكين أن الطيور تحب أن تقيم بيوتها على الأبنية المرتفعة، وأن لكل قرار معماري نتائج كثيرة، بعضها واضح وأكثرها لا يكشفها إلا الزمن.

الفضول (و) القاتل


أرميه بنظرة انزعاج كلما ضغط على زر الجرس، العَمل الذي يقوم به كل دقيقتين تقريباً، الجرس صوته عالي، يجرح الهدوء الذي هو ثالثنا في هذا المصعد و الذي تربطني به علاقة وثيقة. ها هو يسِلُّ إصبعه المرتجف مرة أخرى و يطعن به باتجاه الزر.

- هم عرفوا أن المصعد عالق، و سيخرجوننا بعد قليل، لا داعي للجرس. أقول له.

ينظر إليَّ بانفعال، هذه أول مرة نوجه حديثنا لبعض منذ توقف المصعد بين الطابقين الخامس و الرابع، كانت كل كلماتنا السابقة همسات للنفس.

- أنا مستعجل. 

أفكر قليلاً، أحاول أن أقرر ما إذا كنتُ أريد أن أتحدث مع هذا الرجل الخمسيني الأنيق، سكوتي سيقتل الحوار، في الحقيقة أنا لا أعرف كم ستطول عملية إصلاح المصعد، أقرر.

- ما الذي يجعلك مستعجلاً؟

يفاجئه سؤالي، يتمهَّل، يتنفس بعمق.

- لدي موعد في المحكمة.

أحاول أن أعرف ما إذا كان هو المتَّهم أم الشاهد أم المحامي أم القاضي من شكله ولِباسه، أعجز عن ذلك.

- ما القضية؟

يلتفت إليَّ باستغراب، متعجباً من وقاحة السؤال، لكنه يستسلم.

- يتهمونني بالقتل، أنا في هذا العمر بعد أن استقرَّت حياتي أخيراً يتهمونني بالقتل.

لسبب ما لا أشعر بالقلق كوني عالق في مصعد مع قاتل محتمَل، كل ما أشعر به هو الرغبة الجامحة لمعرفة المزيد.

- لا تبدو لي كقاتل.

يبتسم بحزن و يقول: شكراً، إذاً ماذا أبدو لك؟

- من الممكن أن تكون سارق أو غاسل محترف للأموال، و لكن ليس قاتل.

بعد لحظة من الصمت ينفجر ضاحكاً و يداه تلوحان في فضاء المصعد الصغير، نجاح نُكتتي يعطيني الجرأة للإستمرار.

- لكن قل لي بصدق و أعدك أنني لن أخبر الشرطة، هل أنت قاتل بالفعل؟

فجأة إنقلبت تعابير وجهه و تجهم بغضب، كَبت الكلمات التي كادت أن تخرج من فمه بصعوبة و أدار وجهه عني. بعد لحظة، عاد للضغط على زر الجرس باستعجال.